محمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني ( الأمير )

44

سبل السلام

قاتل الحديث . والحديث دليل على أن القتال في سبيل الله يكتب أجره لمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، ومفهومه أن من خلا عن هذه الخصلة فليس في سبيل الله وهو من مفهوم الشرط . ويبقى الكلام فيما إذا انضم إليها قصد غيرها ، وهو المغنم مثلا ، هل هو في سبيل الله أو لا ؟ قال الطبري : إنه إذا كان أصل المقصد إعلاء كلمة الله تعالى لم يضر ما حصل من غيره ضمنا ، وبذلك قال الجمهور . والحديث يحتمل أنه لا يخرج عن كونه في سبيل الله مع قصد التشريك لأنه قد قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، ويتأيد بقوله تعالى : * ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) * فإن ذلك لا ينافي فضيلة الحج فكذلك في غيره . فعلى هذا : العمدة الباعث على الفعل ، فإن كان هو إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه ضمنا . وبقي الكلام فيما إذا استوى القصدان ، فظاهر الحديث والآية : أنه لا يضر ، إلا أنه أخرج أبو داود والنسائي من حديث أبي أمامة رضي الله عنه بإسناد جيد قال : جاء رجل فقال : يا رسول الله أرأيت رجلا غزا يلتمس الاجر والذكر ، ماله ؟ قال : لا شئ له فأعاده ثلاثة ، كل ذلك يقول لا شئ له ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا وابتغي به وجهه . قلت : فيكون هذا دليلا على أنه إذا استوى الباعثان الاجر والذكر مثلا بطل الاجر ، ولعل بطلانه هنا لخصوصية طلب الذكر لأنه انقلب عمله للرياء والرياء مبطل لما يشاركه ، بخلاف طلب المغنم فإنه لا ينافي الجهاد بل إذا قصد بأخذ المغنم إغاظة المشركين والانتفاع به على الطاعة كان له أجر فإنه تعالى يقول : * ( ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح ) * والمراد النيل المأذون فيه شرعا . وفي قوله صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلا فله سلبه قبل القتال دليل على أنه لا ينافي قصد المغنم القتال بل ما قاله إلا ليجتهد السامع في قتال المشركين . وفي البخاري من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسولي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة . ولا يخفى أن الاخبار هذه دليل على جواز تشريك النية إذ الاخبار به يقتضي ذلك غالبا . ثم إنه قد يقصد المشركون لمجرد نهب أموالهم كما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه في غزاة بدر لاخذ عير المشركين ، ولا ينافي ذلك أن تكون كلمة الله هي العليا ، بل ذلك من إعلاء كلمة الله تعالى ، وأقرهم الله تعالى على ذلك بل قال تعالى : * ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) * ولم يذمهم بذلك ، مع أن في هذا الاخبار إخبارا لهم بمحبتهم للمال دون القتال ، فاعلاء كلمة الله يدخل فيه إخافة المشركين وأخذ أموالهم وقطع أشجارهم ونحوه . وأما حديث أبي هريرة عند أبي داود أن رجلا قال : يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضا من الدنيا ، فقال لا أجر له فأعاد عليه ثلاثا كل ذلك يقول : لا أجر له . فكأنه فهم ( ص ) أن الحامل هو العرض من الدنيا فأجابه بما أجاب ، وإلا فإنه قد كان تشريك الجهاد بطلب الغنيمة أمرا معروفا في الصحابة ، فإنه أخرج الحاكم والبيهقي بإسناد صحيح أن عبد الله بن جحش قال يوم أحد : اللهم ارزقني رجلا شديدا أقاتله ويقاتلني ثم ارزقني عليه الصبر